إيران وأمريكا: لعبة القط والفأر في صراع طويل
كتب الدكتور برهان الدين محمد
منذ عقود، تتسم العلاقة بين إيران والولايات المتحدة بطابع معقد يمكن وصفه بـ”لعبة القط والفأر”، حيث يسعى كل طرف إلى المناورة، والضغط، وتجنب المواجهة المباشرة الشاملة، مع الحفاظ على قدرته على الردع.
تقوم هذه اللعبة على مزيج من التصعيد المحسوب والتهدئة المؤقتة، فواشنطن تفرض عقوبات، وتُلوّح بالقوة العسكرية، وتدعم خصوم طهران في المنطقة، بينما ترد إيران عبر توسيع نفوذها الإقليمي، واستخدام أوراق ضغط غير تقليدية، سواء في مضائق استراتيجية أو عبر حلفائها.
في هذا السياق، لا يسعى أي من الطرفين غالبًا إلى حرب مفتوحة، لأن كلفتها ستكون باهظة على الجميع، بدلًا من ذلك، يتم إدارة الصراع عبر “حروب الظل”: هجمات سيبرانية، عمليات غير مباشرة، وضربات محدودة، تحمل رسائل سياسية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة
في خضم التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، يتجدد الجدل حول الهدف الحقيقي للسياسات الأميركية تجاه طهران، فبينما تركز الخطابات الرسمية على ملف البرنامج النووي الإيراني باعتباره التهديد الأكبر للأمن الدولي، يرى مراقبون أن هذا العنوان ليس سوى واجهة لغاية أعمق تتمثل في تغيير النظام السياسي في إيران.
منذ سنوات، تتبنى واشنطن نهجًا متعدد الأدوات في تعاملها مع إيران، يشمل العقوبات الاقتصادية الخانقة، والعزل الدبلوماسي، والدعم غير المباشر لبعض قوى المعارضة، هذه الأدوات، في مجملها، تتجاوز مجرد احتواء البرنامج النووي، لتصل إلى محاولة إضعاف بنية النظام من الداخل، ودفعه نحو الانهيار أو التغيير.
البرنامج النووي، رغم خطورته، يظل ملفًا قابلًا للتفاوض، كما أثبتت الاتفاقيات السابقة، لكن الإصرار الأميركي على التصعيد حتى بعد وجود أطر دبلوماسية، يثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية.
فإذا كان الهدف هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فلماذا يتم تقويض الاتفاقيات بدلًا من البناء عليها؟
يرى محللون أن الولايات المتحدة تنظر إلى إيران باعتبارها قوة إقليمية منافسة، تمتلك نفوذًا واسعًا في الشرق الأوسط، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، هذا النفوذ، الذي يتعارض مع المصالح الأميركية وحلفائها، يجعل من تغيير النظام خيارًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
كما أن الخطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، خاصة من بعض التيارات المتشددة، لا يخفي رغبته في رؤية نظام مختلف في طهران.
وتُطرح هذه الرؤية تحت شعارات دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها غالبًا ما ترتبط بحسابات جيوسياسية أوسع.
في المقابل، تدرك القيادة الإيرانية هذه الأبعاد، وهو ما يفسر تمسكها بسياسات المواجهة ورفضها تقديم تنازلات كبيرة، خوفًا من أن تكون أي خطوة إلى الوراء بداية لانهيار داخلي، هذا الإدراك المتبادل يعمّق فجوة الثقة، ويجعل من أي حل دبلوماسي أمرًا بالغ التعقيد.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن فصل ملف البرنامج النووي عن الهدف الأكبر المتمثل في تغيير النظام؟ أم أن الاثنين وجهان لسياسة واحدة تسعى لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط؟
وفي سياق الصراع الجيوسياسي المتصاعد، لم تعد إيران مجرد دولة تواجه عقوبات اقتصادية، بل تحولت إلى لاعب فاعل في شبكة تحالفات دولية تعيد تشكيل موازين القوى العالمية، فالعلاقة المتنامية بين إيران وكل من الصين وروسيا تمثل أحد أبرز التحديات التي تؤرق صناع القرار في الولايات المتحدة.
تعتمد طهران بشكل متزايد على بكين كمنفذ اقتصادي حيوي، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن إيران تقوم بتصدير ما يقارب مليوني برميل نفط يوميًا إلى الصين، سواء عبر قنوات مباشرة أو عبر شبكات التفاف على العقوبات، هذه التدفقات النفطية لا تمثل مجرد تجارة، بل تشكل شريانًا استراتيجيًا يدعم الاقتصاد الصيني، ويمنحه ميزة تنافسية كبيرة من خلال تأمين مصادر طاقة مستقرة وبأسعار تفضيلية.
بالنسبة للصين، فإن النفط الإيراني يمثل عنصرًا حاسمًا في دعم صناعتها الضخمة، وتعزيز قدرتها على المنافسة عالميًا، خاصة في مواجهة الاقتصاد الأميركي، فكل برميل نفط منخفض التكلفة يسهم في خفض تكاليف الإنتاج، وبالتالي زيادة القدرة التصديرية للصين، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على توازن القوى الاقتصادية العالمية.
أما روسيا، فتجد في إيران شريكًا مهمًا في مواجهة الضغوط الغربية، سواء عبر التنسيق في أسواق الطاقة أو من خلال التعاون العسكري واللوجستي.
وقد تعزز هذا التعاون بشكل ملحوظ في ظل التوترات الدولية الأخيرة، حيث يسعى الطرفان إلى بناء منظومة دعم متبادل تقلل من تأثير العقوبات الغربية عليهما.
من هذا المنظور، لم تعد إيران مجرد هدف للسياسات الأميركية، بل أصبحت جزءًا من معادلة أكبر تتعلق بصعود قوى دولية منافسة، فتعزيز العلاقات بين طهران وبكين وموسكو يعني عمليًا تقوية محور اقتصادي وعسكري قادر على تقليص النفوذ الأميركي تدريجيًا.
هذا الواقع يفسر إلى حد كبير القلق المتزايد في واشنطن، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي، بل باتت مرتبطة بدور إيران في دعم خصوم استراتيجيين للولايات المتحدة. ومع استمرار هذه العلاقات في التطور، يزداد إدراك صناع القرار الأميركيين بأن أي تساهل مع إيران قد يترجم إلى مكاسب مباشرة للصين وروسيا.
مسارات مصرية وعالمية مسارك يبدأ من مصر ويصل إلى العالم